لماذا تستنزف المرأة العربية طاقتها في أدوار لم تختَرها؟ وكيف يعيدها الريتريت إلى ذاتها الأولى
هناك تعبٌ لا يُشفى بالنوم.
تعبٌ تستيقظ منه المرأة وكأنها لم تنم أصلاً. تفتح عينيها فتجد قائمة طويلة من المهام تنتظرها قبل أن تشرب قهوتها. ابنٌ يحتاج، زوجٌ ينتظر، أمٌّ تتصل، عملٌ يلاحقها، بيتٌ يطالبها، ومجتمعٌ يراقب.
تنهض، تبتسم، تُنجز
وفي نهاية اليوم، حين تجلس وحدها لدقائق معدودة، يداهمها شعورٌ غريب لا تجرؤ على تسميته:
"أنا لا أعرف من أنا بعد كل هذا."
هذا ليس اكتئاباً
وليس ضعفاً
وليس قلة امتنان
هذا هو ما نسمّيه: الأنوثة المُتعَبة
الأدوار التي لم نخترها
منذ الطفولة، تتسلّم المرأة العربية أدوارها كما تتسلّم الإرث: دون أن تُسأل إن كانت تريده
تُربّى على أن تكون "زوجة صالحة"، ثم "أم مثالية"، ثم "ابنة بارّة"، ثم "أخت حنونة"، ثم "صديقة وفية"، ثم "موظفة مجتهدة"، ثم "امرأة قوية لا تنكسر".
سبعة أدوار على الأقل، تؤدّيها في اليوم الواحد، وتنتقل بينها بسلاسة المحترفين
لكن أحداً لم يسألها يوماً
من أنتِ حين تخلعين كل هذه الأدوار؟
ولأن أحداً لم يسأل، توقّفت هي عن السؤال
وهنا تبدأ الكارثة الصامتة: أن تعيش المرأة حياةً كاملة دون أن تلتقي بنفسها ولو مرة واحدة
لماذا تعبنا مختلف؟
التعب الذي تعيشه المرأة العربية ليس تعباً عادياً. هو تعبٌ مركّب من ثلاث طبقات:
الطبقة الأولى: تعب الجسد
ساعات طويلة من العطاء، نومٌ متقطع، غذاءٌ على عجل، وجهازٌ عصبي في حالة استنفار دائم
الطبقة الثانية: تعب العقل
عقلٌ لا يتوقف عن التخطيط، التذكّر، القلق، والاعتذار. تحمل المرأة في رأسها قوائم لا يراها أحد، ومسؤوليات لا تُحتسب في أي ميزانية
الطبقة الثالثة — وهي الأخطر: تعب الهوية.
أن تعيشي كل يومٍ كشخصٍ آخر، وتنسي تدريجياً ملامح الشخص الذي كنتِه قبل كل هذه الأدوار. أن تنظري إلى المرآة فترَي امرأةً تعرفينها بالاسم، لكنك لا تعرفين ما الذي تحبّه، وما الذي يُفرحها، وما الذي يجعلها تشعر بأنها حيّة
هذا التعب لا يُشفى بإجازةٍ قصيرة، ولا بكوب شاي على الشرفة، ولا بنوم عشر ساعات
لأنه ليس تعباً من العمل
إنه تعبٌ من الغياب عن الذات
ما الذي يحدث حين تستمرّين؟
المرأة التي تواصل العطاء دون أن تعود إلى نفسها، تمرّ بثلاث مراحل صامتة
أولاً: تفقد الإحساس
لا تعود تفرح كما كانت، ولا تحزن كما كانت. تصبح المشاعر باهتة، والأيام متشابهة
ثانياً: تفقد الرغبة
لا تعرف ماذا تريد أن تأكل، ولا أين تريد أن تسافر، ولا ماذا تريد أن تفعل في وقت فراغها — إن وُجد
ثالثاً: تفقد الصوت
يصبح صوتها الداخلي خافتاً جداً، إلى درجة أنها لم تعد تسمعه. تعيش وفق توقعات الآخرين، وتقيس نجاحها بمعاييرهم، وتنام وتستيقظ على إيقاعاتهم
وهنا، حتى لو بدت من الخارج "بخير"، فهي في الحقيقة قد فقدت أهم علاقة في حياتها: علاقتها بنفسها
الريتريت ليس رفاهية. هو عودة
كثيراتٌ يعتقدن أن الريتريت رحلةُ ترف، أو إجازةٌ فاخرة، أو "دلع زائد"
والحقيقة أبعد من ذلك بكثير
الريتريت — حين يُصمَّم بوعي — هو المساحة الوحيدة في حياة المرأة العربية التي لا يُطلب منها فيها شيء
لا أحد ينتظر طعاماً منكِ
لا أحد ينتظر إجابة على رسالة
لا أحد يحتاج رأيكِ في قرار
لا أحد يقيّم أداءكِ كأم، أو زوجة، أو ابنة
لأول مرة منذ سنوات، تكونين فقط أنتِ
وفي هذا الفراغ المُقدَّس، يحدث ما لا يحدث في أي مكان آخر
يهدأ جهازكِ العصبي بعد سنواتٍ من الاستنفار
يبدأ جسدكِ يتذكّر كيف يتنفّس بعمق
يعود صوتكِ الداخلي مسموعاً، أولاً كهمسٍ خافت، ثم كحديثٍ واضح
وتلتقين — ربما للمرة الأولى منذ زمن — بالمرأة التي كنتِها قبل كل الأدوار
كيف يعيدكِ الريتريت إلى ذاتكِ الأولى؟
الذات الأولى ليست شخصاً مفقوداً
. هي شخصٌ منسيّ تحت طبقات من التوقعات
والريتريت لا يخلق لكِ ذاتاً جديدة — بل يُزيل عنكِ ما ليس أنتِ
من خلال ممارسات الصمت، التأمل، اليوغا، التنفّس الواعي، والممارسات التي تُحرّر الجسد من ذاكرة الإرهاق، تبدأين تدريجياً في:
التمييز بين ما تريدينه فعلاً، وما تعلّمتِ أن تريديه
استعادة قدرتكِ على قول "لا" دون شعور بالذنب
إعادة اكتشاف ما يُفرحكِ — لا كأم أو زوجة، بل كامرأة
بناء علاقة جديدة مع جسدكِ، يقوم على الإصغاء بدلاً من التجاهل
العودة إلى بيتكِ، إلى عائلتكِ، إلى عملكِ — لكن هذه المرة، وأنتِ معكِ
رسالة أخيرة
إذا كنتِ تقرئين هذا الآن، وشعرتِ بشيء يتحرّك في داخلكِ، فاعلمي أن هذا الشيء ليس صدفة
هو صوتكِ الداخلي، الذي ظلّ ينتظر بصبرٍ أن تلتفتي إليه
لستِ مضطرة لأن تكوني قوية طوال الوقت
لستِ مضطرة لأن تكوني كل شيء لكل أحد
لستِ مضطرة لأن تثبتي شيئاً لأحد
أنتِ تستحقّين أن تعودي إلى نفسكِ
. ليس لأنكِ منهَكة، بل لأنكِ موجودة
والعودة تبدأ بقرارٍ واحد
هل تشعرين أن الوقت قد حان لتلتقي بذاتكِ الأولى؟


